انتقل إلى المحتوى

أخبار السعودية العاجلة

بتوقيت الرياض

English

اقتصاد

الشركات العائلية في السعودية تشكل 95% من المنشآت وتوظف 57% من العاملين بالقطاع الخاص

الشركات العائلية في السعودية تشكل 95% من المنشآت وتوظف 57% من العاملين بالقطاع الخاص

أظهرت بيانات رسمية أن الشركات العائلية تشكل العمود الفقري للاقتصاد السعودي، إذ تستحوذ على 95% من إجمالي المنشآت العاملة في المملكة، وتوظف 57% من العاملين في القطاع الخاص، وتستوعب 48% من إجمالي القوى العاملة الوطنية، وفقاً لدراسة أجراها المركز الوطني للمنشآت العائلية في عام 2025.

من مؤسسات صغيرة إلى تكتلات اقتصادية كبرى

لم تكن هذه الشركات مجرد مشاريع ربحية عابرة، بل مثلت مدارس اقتصادية أسهمت في تكوين رأس المال الوطني، وتوفير فرص العمل، وتوطين الخبرات، وبناء علاقات تجارية امتدت إلى الأسواق العالمية. ويتجلى دورها التاريخي في تحول مؤسسات تجارية صغيرة إلى مجموعات اقتصادية كبرى تعمل في قطاعات الصناعة والتجارة والعقارات والخدمات والصحة والتعليم والاستثمار.

وتؤكد هذه الأرقام أن الشركات العائلية ليست قطاعاً اقتصادياً محدوداً، بل أحد الأعمدة الرئيسة للاقتصاد الوطني، وأن المحافظة على استمراريتها أصبحت ضرورة اقتصادية وطنية تتجاوز المصلحة الخاصة لأصحابها.

حضور عالمي طويل الأمد

على الصعيد الدولي، تمثل الشركات العائلية قوة اقتصادية هائلة. فوفقاً لمؤشر أكبر 500 شركة عائلية في العالم لعام 2025، الصادر عن مؤسسة إي واي بالتعاون مع جامعة سانت غالن السويسرية، بلغت الإيرادات السنوية المجمعة لهذه الشركات نحو 8.8 تريليونات دولار، بزيادة 10% عن المؤشر السابق، ووفرت فرص عمل لنحو 25.1 مليون إنسان. والأكثر دلالة أن 34% من هذه الشركات تجاوز عمرها مئة عام، و85% منها تعمل منذ أكثر من خمسين عاماً، مما يؤكد أن الاستدامة المؤسسية يمكن أن تحول المشروع العائلي إلى كيان اقتصادي يستمر لأجيال متعددة.

وفي ألمانيا، إحدى أهم القوى الصناعية العالمية، كشفت دراسة صادرة عام 2025 عن مؤسسة الشركات العائلية أن 88% من الشركات الألمانية تخضع للسيطرة العائلية، وتوفر نحو 18.3 مليون وظيفة تمثل 58% من العاملين في القطاع الخاص. وفي الولايات المتحدة، تبرز شركة وول مارت المرتبطة بعائلة والتون نموذجاً لشركة عائلية أصبحت من أكبر الشركات العالمية، مما يثبت أن الملكية العائلية لا تتعارض مع الإدراج في أسواق المال أو الإدارة الاحترافية.

المركز الوطني للمنشآت العائلية: حماية الاستدامة

في المملكة، تمثل خطوة إنشاء المركز الوطني للمنشآت العائلية إحدى أهم الخطوات المؤسسية في حماية استدامة أحد أكبر مكونات الاقتصاد الوطني. بدأت فكرة المركز عام 2005، ثم صدر أمر سام كريم عام 2012 بإعادة افتتاحه ودعمه، وشهد عام 2025 نقلة تنظيمية مهمة بالموافقة على تنظيمه ومنحه الاستقلالية المالية والإدارية. ويعكس هذا الاهتمام من القيادة الرشيدة إدراكاً عميقاً لأهمية الشركات العائلية وضرورة المحافظة على استثماراتها واستمراريتها، خاصة مع انتقال ملكيتها وإدارتها بين الأجيال.

ويستحق المركز ورئيسه التنفيذي الدكتور عائذ بن إبراهيم المبارك الإشادة بما يقدمه من برامج تدريبية واستشارية متخصصة، ومبادرات لنشر ثقافة الحوكمة، وإعداد المواثيق العائلية، وتأهيل الأجيال الجديدة للقيادة، والمساعدة في تسوية الخلافات العائلية بالطرق الودية. ومن الإنجازات المهمة التي أعلنها المركز نجاحه في الإسهام في معالجة قضايا تجاوزت قيمتها 282 مليون ريال، من خلال أكثر من 166 عملية وساطة. ولا تعكس هذه الأرقام مجرد تسوية خلافات مالية، بل دوراً اقتصادياً مهماً في المحافظة على استقرار الشركات والحد من آثار النزاعات على استثماراتها والعاملين فيها.

ويتميز دور المركز بأنه لا ينتظر وقوع المشكلات، بل يعمل على الوقاية منها من خلال بناء منظومة للحوكمة، وتنظيم العلاقات بين الملاك، وتحديد مسؤوليات الإدارة، ووضع آليات واضحة لانتقال الملكية والقيادة. كما أن نظام الشركات السعودي، الذي بدأ تطبيقه في يناير 2023، عزز هذا التوجه بالسماح للشركاء والمساهمين بإبرام مواثيق عائلية تنظم الملكية والإدارة وتوظيف الأقارب وتوزيع الأرباح وتسوية الخلافات.

تحديات الخلافة بين الأجيال ومقترحات التطوير

أكبر التحديات التي تواجه كثيراً من الشركات العائلية لا تتمثل في المنافسة التجارية وحدها، بل في انتقال الشركة من الجيل المؤسس إلى الأجيال التالية. فقد ينجح المؤسس في بناء شركة كبيرة خلال خمسين عاماً، ثم تواجه الشركة بعد وفاته خلافات بين الورثة حول الإدارة أو توزيع الأرباح أو بيع الأصول، مما قد يؤدي إلى إضعاف الشركة أو تقسيمها أو تصفيتها وضياع قيمة اقتصادية تراكمت عبر عقود. ومن هنا، يجب أن تكون المحافظة على الشركات العائلية جزءاً من استراتيجية تعزيز استدامة القطاع الخاص السعودي.

ويقترح الخبراء توسع المركز الوطني للمنشآت العائلية في إعداد دراسات اقتصادية سنوية توضح حجم مساهمة الشركات العائلية في الناتج المحلي الإجمالي، وحجم استثماراتها، وعدد العاملين فيها، ومعدلات نموها واستمراريتها. كما يُقترح إنشاء مؤشر وطني لقياس استدامة الشركات العائلية، يتضمن مستوى الحوكمة ووجود المواثيق العائلية وجاهزية الجيل القادم لتولي القيادة.

وتبرز أهمية إطلاق برنامج وطني لتأهيل أبناء العائلات التجارية، بالتعاون مع الجامعات السعودية والمراكز الدولية المتخصصة في حوكمة الشركات العائلية، وإعداد الجيل الثاني والثالث والرابع من قياداتها. كذلك يُقترح إعداد دراسة وطنية عن الشركات العائلية التي توقفت أو تفككت خلال العقود الثلاثة الماضية، وتحليل أسباب ذلك وآثاره على الاقتصاد الوطني، للاستفادة من التجارب السابقة ومنع تكرارها.

ويجب التأكيد أن حماية الشركات العائلية لا تعني التدخل في ملكيتها الخاصة، وإنما توفير البيئة التنظيمية والاستشارية التي تساعد أصحابها على المحافظة عليها وتنميتها. فإذا كان الآباء والأجداد قد نجحوا في بناء هذه الثروات، فإن المسؤولية اليوم هي توفير البيئة التي تضمن استمرارها للأبناء والأحفاد، لتبقى مؤسسات اقتصادية وطنية قوية لمئات السنين المقبلة.

تعليقات القرّاء

لا تعليقات بعد.

أضيفوا تعليقًا

يظهر مع تعليقكم.

لا يُنشر أبدًا.

تراجع غرفة الأخبار كل تعليق قبل نشره. التزموا بالوقائع وبأنظمة المملكة، وتجدون القواعد في شروط الاستخدام.