الأثرياء يتجهون إلى الفنون والساعات كأدوات تحوط من التضخم
نُشر بتوقيت الرياض
السبت 17 أكتوبر 2026
إعداد: قسم الاقتصاد
قراءة في 3 دقائق
في ظل تضييق خيارات التحوط في الأسواق المالية العالمية، يوجه الأثرياء استثماراتهم نحو أصول استثنائية تحتفظ بقيمتها مقابل ضغوط التضخم وتقلبات السوق.
هذا التوجه يأتي استنادًا إلى مسوح وتقارير حديثة أظهرت زيادة ملحوظة في تخصيص الثروات للأصول غير التقليدية، ما يعكس قلقًا متزايدًا بشأن تأثير التضخم والسياسات النقدية على المحافظ الاستثمارية خلال السنوات الخمس المقبلة.
التحول في استراتيجيات التحوط لدى المكاتب العائلية
وفقًا لمسح أجرته مؤسسة “بي إن واي ويلث” شمل صناع القرار الاستثماري في 290 مكتباً لإدارة الثروات العائلية، فإن نحو ثلثي هذه المكاتب تحتفظ بأصول غير مرتبطة ببرامجها الاستثمارية التقليدية، وهي نسبة تعادل ضعف ما سُجل في العام الماضي. وتدير نصف هذه المكاتب أكثر من مليار دولار من الأصول، بينما يدير كل منها ما لا يقل عن 250 مليون دولار من الأصول القابلة للاستثمار.
وأفاد عدد أكبر من هذه المكاتب بتسارع وتيرة الاستثمار في الأصول الفاخرة، بدءًا من الساعات والمجوهرات النفيسة والأعمال الفنية، وصولاً إلى حصص في الأندية الرياضية وحقوق الملكية الموسيقية. ويشير التقرير إلى أن هذا الزخم يعكس بالدرجة الأولى رغبة جامحة في التحوط ضد التضخم وتقلبات السياسة النقدية، وهما الخطران اللذان تصدرا هواجس المكاتب العائلية للسنوات الخمس المقبلة.
أداء الأصول الفاخرة في الأسواق
نقلاً عن مجلة “فورتشن”، لم تكن الفئات التي سجلت أعلى قفزة سنوية هي تلك المدرة للدخل مثل حقوق البث الرياضي والإعلامي، بل الأصول المادية مثل الساعات والمجوهرات والفنون. ويوضح التقرير أن اقتناء ساعة “باتيك فيليب” لم يختلف جوهريًا عن شراء سبائك الذهب، فكلاهما مخزن ملموس للقيمة صُمم لمقاومة الاضطرابات الجيوسياسية وموجات الغلاء.
وبحسب بيانات مؤشر “نايت فرانك للاستثمار الفاخر” الذي يرصد عشر فئات من المقتنيات، تراجع المؤشر بنسبة طفيفة بلغت 0.4% في عام 2025 بعد تراجعات واسعة في معظم فئات الأصول سابقًا. وفي المقابل، قفزت مبيعات الفنون الجميلة في المزادات الكبرى بنسبة 11%، مدفوعة ببيع لوحة جوستاف كليمت التاريخية مقابل 236.4 مليون دولار في مزاد نظمته دار “سوذبيز”.
كما ارتفعت أسعار الساعات بنسبة 5.1% بدعم من قفزة ساعات “باتيك فيليب” بنسبة 12.1% و”رولكس” بنسبة 4.6%. وعلى النقيض، تراجعت أسعار النبيذ الفاخر متأثرة بالرسوم الجمركية الأمريكية.
وجهات نظر متباينة حول فعالية التحوط
كشفت دراسة أجراها كامبل هارفي من جامعة “ديوك” وباحثون في مجموعة “مان” عام 2021 أن الفن حقق عوائد تفوق التضخم بنحو 7% سنوياً خلال ثماني فترات تضخمية في الولايات المتحدة، من الحرب العالمية الثانية وحتى الفترة التي سبقت الأزمة المالية عام 2008.
لكن دراسة نشرت عام 2025 في مجلة “الاقتصاد التطبيقي” أظهرت أن الفن، وإن كان يحمي من التضخم على المدى الطويل في فرنسا، لم يكن ذا جدوى في الولايات المتحدة أو المملكة المتحدة. وفي عام 2022، توصل بنك “كريدي سويس” بالتعاون مع شركة “ديلويت برايفت” إلى أن بعض السلع الفاخرة تحافظ على قيمتها أفضل بكثير من غيرها؛ فحقائب “شانيل” والفنون والساعات الصينية التقليدية أَدَّت أداءً جيدًا خلال فترات التضخم المرتفع، بينما عانت الفنون المعاصرة والنبيذ تراجعًا خلال نفس الفترات.
دور الذكاء الاصطناعي والاستهلاك التفاخري
للعام الثالث على التوالي، وجدت دراسة أجرتها شركة “بي إن واي” أن الذكاء الاصطناعي يتصدر قائمة أكثر مجالات الاستثمار جاذبية خلال السنوات الخمس المقبلة، وفقًا لـ 68% من المشاركين في الاستطلاع الذي شمل نفس مجموعة من المكاتب العائلية.
ويبرز البعد النفسي والاجتماعي؛ ففي عصر الذكاء الاصطناعي ووفرة المنتجات، يتحول “الذوق الرفيع” إلى الفارق الحقيقي. وكما يوضح الاقتصاديون، فإن قيمة العمل الفني لا تقاس وفق منطق الأسهم، بل تنبع من المتعة الجمالية ومن إرسال إشارة صريحة بالثراء، في نمط استهلاكي أسماه عالم الاجتماع ثورستين فيبلين “الاستهلاك التفاخري”.
ويعكس هذا المشهد نمط “الاقتصاد غير المتكافئ”، حيث تشير بيانات بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك إلى نمو حقيقي في إنفاق الأسر الثرية بنسبة 7.6% مقابل نحو 1% فقط للأسر منخفضة الدخل. في اقتصاد مثل هذا، الأصول الفاخرة ليست مجرد أدوات مالية؛ بل إعلان صريح عن القدرة على امتلاك ما يعجز عنه الآخرون.
